السيد محمد حسين فضل الله

48

من وحي القرآن

الخلاص ، وذلك بقصد من يملك بيده سبيل الخلاص . أمّا في حالات الخير فإنه يتطلع إلى الزيادة والاستمرار في ما يعيشه من هناء وراحة ، فيناسب ذلك الحديث عن القدرة التي تملأ نفسه بالثقة بالمستقبل الخيّر في ظلال القدرة التي تملك أمر ذلك كله . ضعف الإنسان المطلق أمام قوة الله المطلقة ويخشع الوجود بكل قواه ، وبكل مظاهره ، وينطلق في رحاب اللَّه ، فلا يجد إلا الضعف المطلق أمام القوة المطلقة ، المهيمنة عليه ، القاهرة له ، فكل ما في الوجود مملوك له ، محتاج إليه ، فلا يملك مع اللَّه شيئا في قليل أو في كثير . وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويلاحظ استعمال كلمة فَوْقَ للإيحاء بالهيمنة والسيطرة تماما ككل شيء فوق أيّ شيء آخر ، وذلك بدلا من كلمة « القاهر لعباده » لأنها لا تعطي مثل هذا الإيحاء الذي تفرضه طبيعة الحاجة إلى حشد الجو النفسي بالسيطرة المطلقة للَّه ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فلا يتصرف في قدرته القاهرة من موقع السيطرة ، بل من موقع الحكمة التي يحيط بمواقعها ومصادرها في الحياة وفي الإنسان ، لأنه الخبير بما خلق ومن خلق ، تعالى شأنه عن كل المخلوقين . ومن الطريف أن البعض ممن لا يفهمون أساليب البلاغة في التعبير حاولوا أن يستفيدوا من هذه الفقرة : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ الفوقية المكانية التي توحي بالتجسد للَّه ، باعتبار أنه يجلس في المكان الأعلى الفوقي بالنسبة إلى عباده . ولكن التأمل الفنّي البلاغي يدل دلالة واضحة على أن الآية واردة في مقام تأكيد السلطة المطلقة للَّه على العباد من خلال هذه الفوقية المعنوية السلطوية التي تمثل القاهرية الشاملة ، تماما كما هي قاهرية « الفوق » على « التحت » من خلال إشرافه وتسلّطه عليه بما يملكه من قدرة الإطباق ، وهو ظاهر .